|
تيارات الإسلام السياسي
|
|
28 كانون2/يناير 2012 |
|
ميدل ايست أونلاين - محمد الحمامصي - مثقفون عرب: صعود تيارات الإسلام السياسي .. فكرة شيطانية لاحتواء الثورات العربية!
كنانة: احتواء الثورات من داخلها وبآليات الديمقراطية ذاتها واستثمار الأحداث لتحقيق أهداف أخرى لم تكن في المتناول من قبل.
كيف يفسر ويحلل الكتاب والمثقفون العرب صعود تيارات الإسلام السياسي عربيا؟ كيف يرون المستقبل في ظل استمرار هذا الصعود؟ وهل سيتم ترك أفكار ورؤى هذه التيارات ـ وهي أفكار ورؤى لا تخرج عن نطاق التحريم والتكفير ـ تعمل في الواقع العربي دون أن يتم التصدي لها؟ تساؤلات ـ برأيي ـ سوف تسيطر على مجمل الأفكار والرؤى المستقبلية بين مختلف النخب سواء السياسية أو الفكرية أو الاقتصادية وغيرها، فتاريخ هذه التيارات الفكري والثقافي القريب والبعيد لا يحمل أي نوع من الطمأنينة، ولا يمكن بحال من الأحوال فصل الفكري والثقافي عن السياسي، الأمر الذي يحمل معه نذرا كثيرة مهددة للحقوق، سوف يخفف من حدتها السعي إلى بلورة فكر مستنير يستطيع إرشاد مجتمعاتنا المتدينة بفطرتها.
• تسطيح العقل العربي
في البداية يقول الكاتب العراقي د. علي ناصر كنانة "كنتُ قد كتبت في عام 2002 وما تضمنه كتابي (حافة العولمة) الصادر في بيروت عام 2004: هو هكذا ديدنُ الاستبداد دائماً: استخدام القوة حيثما تنتفي الحاجة إلى القوة. وبذلك تحمل القوة المستبدّة سرَّ فنائها. أي أن الدرس التاريخي ذاته يتكرر دون أن يتعّظ منه المستبدون. فالدكتاتوريون يتطرفون في قمع الأصوات التي يُشكُ في ولائها لهم، في وقتٍ يمكنهم فيه الإقامة في السلطة دونما حاجة لهذا القمع".
ويضيف "هذا النوع من الاستبداد المتخلّف الذي كان شائعاً في الوطن العربي قبل عام 2011، وما زال في بعض بقاعه، لم يعد مقبولاً على المستويين الداخلي والخارجي. فلا الفئات الشابة والمتعلمة، التي خرجت من أقفاصها وأطلّت على العالم وتجاربه من خلال فضائل ثورة الانترنت، مستعدة للتعايش مع أنظمة تريد لمجتمعاتها ودولها أن تعيش خارج حركة التاريخ والتطور، ولا منافقو السياسة الغربية، تحديداً الأميركية، بقادرين على الاستمرار بلعبة المعايير المزدوجة في الحديث عن الديمقراطية بينما يدعمون أكثر الأنظمة العربية فساداً. فالتقت المصلحتان المتعارضتان بضرورة التغيير رغم اختلاف الأهداف. فالغرب أراد التحوّل تدريجياً بإيقاع أميركي، بتغييرات جزئية في أنظمة الحكم العربية من خلال ديمقراطيات شكلية تضمن استمرار هذه الأنظمة بما يضمن المصالح الأميركية ويمتص نقمة الشعوب ويستجيب لبعض تطلعاتها ولو ظاهرياً. بينما كانت النقمة واليأس معاً يستبدان بوجدان الشارع العربي. ولكن ما حدث في تونس كان مفاجئاً للطرفين: العرب والغرب".
ويشير إلى أنه كان مفاجئاً لنا، نحن العرب، لأننا شهدنا وأد النهضات العربية في مهودها في كل من مصر ولبنان والعراق، وكيف لجأت الولايات المتحدة، بعد هيمنتها على العالم، إلى التدخل في حرف مسار التاريخ وضرب الحتميات التاريخية من خلال شن حروب شاملة ومدمرة لكسر رأس التاريخ في العراق عام 2003 عندما استعصى على الانهيار بعد حرب شاملة وحصار شامل لثلاثة عشر عاماً. هذا فضلاً عن أن الأنظمة العربية سحقت بلا هوداة جميع الحركات والتنظيمات السياسية الشعبية التي يمكن أن تؤثر في الرأي العام أو تمتلك القدرة على تجييش الناس لمقاومة الظلم والطغيان في دولٍ أمنية تراقب أجهزتُها القمعية أنفاسَ الناس. كما أن الولايات المتحدة التي شنت عام 1991 حرباً عالمية ضد العراق بدعوى طرد صدام حسين من الكويت هي نفسها التي سمحت لديكتاتور العراق باستخدام الطائرات السمتية لقمع انتفاضة شعبية في مارس/آذار 1991 شملت 14 محافظة عراقية (من 18) احتجاجاً على الهزيمة والطغيان، الأمر الذي ترك انطباعاً راسخاً لدى الشعوب العربية الأخرى بأن الولايات المتحدة لن تسمح بتهديد حلفائها العرب بثورات شعبية وهي تفعل ذلك لحماية نظام تعتبره عدواً.
ويضيف "كان مفاجئاً للولايات المتحدة وحلفائها لأنهم أيضاً آمنوا بما آمنا به، لاسيما وأن النفط العربي الخليجي أنفق مليارات الدولارات، في العقدين الأخيرين، لتسطيح العقل العربي من خلال تعبئة الفضاء الإعلامي بمئات القنوات الفضائية السطحية والرخيصة لتسويق ثقافة الخمول والغرائز والجهل والتطبيع. ولكن رهاناتهم ذهبت سدىً عندما هدرتْ الثورة بحناجر شباب ظنّ الجميع أنهم خارج الوعي السياسي تماماً. وما أن اندلعت شرارة بوعزيزي في الهشيم كان من الصعب إيقاف انتشارها، لأن الظروف كلها مواتية للانتشار".
• نصيحة خليجية لأميركا وأوروبا
ويوضح د. علي كنانة "استفاقت الولايات المتحدة، وحلفاؤها الأوروبيون والخليجيون وإسرائيل، من هول الصدمة فقبضوا على الحل لاحتواء الحتميات التاريخية والتحكم من جديد بمسار التاريخ في المنطقة من خلال فكرة شيطانية، لا بديل عنها في ضوء تسارع الأحداث، بأن يصار إلى احتواء الثورات من داخلها وبآليات الديمقراطية ذاتها واستثمار الأحداث لتحقيق أهداف أخرى لم تكن في المتناول من قبل، وذلك طبقاً للسيناريو التالي كما أعتقد: أولا: إذا لم تكن الولايات المتحدة قد توصلت بنفسها إلى هذه الفكرة فإن نصيحة مخلصة جاءتها من بعض دول الخليج بضرورة دعم الإخوان المسلمين ليكونوا بديلاً للأنظمة الساقطة، وبما يمنع أية تحولات جوهرية ناتجة عن الثورات في الوطن العربي وإبقاء المجتمعات العربية تحت السقف ذاته ولكن بلبوس جديد مع ضمان عدم التعارض مع المصالح الأميركية (وحتى الإسرائيلية) لاسيما وأن الإخوان المسلمين مرتهنون، كما هو معروف، للمال الخليجي. وبالتقاء الدعم السياسي الأميركي، والغربي عموماً، بالدعم المالي والإعلامي الخليجي سيهيمن الإخوان على السلطة، لأن المال والإعلام هما اللذان يحددان الفائز بأية انتخابات في العالم. وهذا ما حدث في تونس "وهي واحدة من أكثر البلدان العربية مدنية" وفي مصر (التي لم يشترك الإخوان المسلمون بثورتها قبل رسوخ يقينهم بنجاح الثورة). ولعل هذا ما يفسر، جزئياً، عدم دعم ثورة اليمن التي تقودها جماهير وقوى علمانية في غياب شبه كلي لحركة الإخوان المسلمين. أما التآمر على ثورة البحرين والتزييف الإعلامي الذي عمدَ إلى تطييفها مذهبياً فيعود إلى اعتبار دول مجلس التعاون الخليجي خطوطاً حمراً بالنسبة للولايات المتحدة التي لا ترغب بأكثر من تغييرات طفيفة في هذه الدول.
ثانيا لم تتأخر الولايات المتحدة وأوروبا في استثمار المزاج الثوري الشعبي في الوطن العربي للانقضاض على خصوم سياسيين غير مرغوب فيهم. فجيّشتْ إعلامها وحلفاءها العرب المتضررين من الثورات لتثوير الأوضاع في ليبيا وسوريا، حتى أن دولاً عربية أسهمت عسكرياً في إسقاط نظام القذافي فضلاً عن الضخ المالي الهائل والتغطيات الإعلامية المحمومة لإنجاح مهمة الناتو (ولا نبرر هنا للقذافي سياساته الحمقاء داخلياً وخارجياً)، بينما تم تطويع جامعة الدول العربية علاوة على الإعلام والمال الخليجيين والضغط السياسي الأميركي لتغيير النظام في سوريا من أجل الإطاحة بحزب الله لقتل نهج المقاومة ضد إسرائيل الذي شكّل حرجاً للنظام السياسي العربي الطائفي (ولا نبرر هنا أيضاً استبدادية الحكم البعثي).
وفي النهاية يؤكد كنانة "لقد قتلوا فرحنا مبكراً.. وإن أية قراءة للمشهد السياسي في بلدان الثورات العربية الناجحة تكشف عن وجهين للصورة، الأول يعكس نجاح الولايات المتحدة في احتواء الثورات العربية لنجد أنفسنا على غير ما تشتهي السفنُ أمام نظام سياسي عربي تتساوى فيه الرؤوس المطأطئة للإرادة الأميركية، بينما نرى في الوجه الآخر من الصورة الإسلام السياسي (تحديداً الإخوان المسلمين) حاكماً بديمقراطية شكلية، وتشريعات تقيّد الحريات المدنية والاجتماعية، ويقيم علاقات استراتيجية مع دول الخليج، ويحافظ على العلاقات المتميزة غير المتكافئة مع الولايات المتحدة، ولا يزعج إسرائيل، وربما يعيدنا إلى عصور غابرة".
• لا يفرقون بين الحزب والدولة
ويحلل الشاعر البحريني علي الشرقاوي صعود تيارات الإسلام السياسي كاشفا عن مرتكزات هذا الصعود، ويقول "إن أغلب الأحزاب السياسية في الوطن العربي، خاصة بعد هزيمة يونيو/حزيران عام 1967، وبعد سقوط الأنظمة المريع وانكشاف كل الأقنعة التي لبستها، شعرت بضرورة البحث عن بديل، ورأت في التوجه الاشتراكي أو الماركسي هو المنهج الوحيد القادر على تغيير المجتمع لصالح الإنسان. فقوت حركة اليسار، وسيطر على الشارع، وعلى الحركة العمالية، وتحولت مجموعة من الأحزاب القومية إلى الماركسية، كحركة القوميين العرب وحزب البعث العربي الاشتراكي اللذين تبنيا الماركسية اللينينية كمنهج في حركتهم الجماهيرية".
ويضيف "الأنظمة العربية شعرت بالخوف من اليسار المغاير المختلف، فبدأت بدعم حركة التيارات الإسلامية، التي ضربتها قبل ذلك، بعد أن قامت بضرب كل القوى التقدمية في الوطن العربي. وربما من الممكن ملاحظة هذا الأمر في الكثير من الدول العربية، حيث حجّم اليسار الاشتراكي العربي وأرسلت قيادته للسجون، أو المنافي، وتركت الساحة فارغة أمام الحركات الإسلامية للعمل دون إعاقات من الشارع اليساري، فبدأت بتجنيد الشباب عبر العمل الخيري والتطوعي أولا، ثم حقنهم بتكفير كل من يخالفهم في الرأي والدين والمذهب والايدولوجيا. ونرى ذلك واضحا في الثورة الإيرانية التي كانت سندا للكثير من الأحزاب التابعة لها، والتي تصرف عليها المليارات من أجل تمكينها للاستيلاء على أنظمة الحكم في البلدان التي تعمل فيها هذه الأحزاب".
ويرى الشرقاوي أن "تيارات الإسلام السياسي، ربما تستطيع السيطرة على الحكم لفترة من الوقت، أو تديرها من خلال أغلبية الأصوات التي تملكها في الشارع، عن طريق الانتخابات. ولكن المشكلة التي يقع فيها التيار السياسي دائما وأبدًا، انه أولا لا يعرف الفرق بين الحزب والدولة، بين أن تكون في المعارضة أو الحكم، أي أنهم لا يعرفون كيفية إدارة البلاد، وكنموذج لهذا حركة طالبان الإسلامية السنيّة التي سيطرت على 95% من الأراضي الأفغانية، ولعدم قدرتها على إدارة الحكم انتهت. وأصبحت تمارس حرب العصابات والتي من الممكن أن تنتهي إذا عرف النظام الأفغاني كيف يشتغل في التنمية الاقتصادية للمجتمع، ثم الثورة الإيرانية الشيعية التي هي أيضا تخلط بين الأيديولوجي المذهبي وبين إدارة البلاد والعلاقات مع العالم؛ هي الأخرى في طريق الزوال، إن الحركات الأيديولوجية كلها أثبتت فشلها في إدارة النظام السياسي، وأيضا كل الحركات الدينية في العالم، هي الأخرى فاشلة. قد تصل تيارات الإسلام السياسي ولكنها لن تبقى فيه طويلا".
• تيارات راديكالية شمولية وإقصائية
وتؤكد الشاعرة والإعلامية اللبنانية دارين قصير أن تيارات الإسلام السياسي لم تتمكن ولعصور مرت من تولي مسؤولية الحكم على الرغم من تنامي شعبيتها في أي بلد عربي أو إسلامي مع استثناءات قليلة حيث تحقق لبعضها مشاركة في الحكم مثل الأردن والجزائر وتركيا واليمن والكويت وماليزيا وباكستان والسودان في السبعينيات والثمانينيات أو دخول البرلمان في مصر ولبنان والجزائر وسوريا في الخمسينيات والستينيات، ولم تتطور هذه المشاركة إلى دور أكثر فاعلية في الحكم، إلاّ في السودان حيث تمكنت حركة إسلامية حديثة من الوصول إلى السلطة بانقلاب وليس باختيار شعبي، ومن هنا يمكننا القول إن هذه الجماعات أو التيارات تعاني احتقاناً سياسياً على مدى أعوام مرت لعدم تمكنها من الوصول إلى الحكم السياسي، وبالتالي فرض معتقداتها الدينية على النظام المجتمعي ومع هذا اللاإعتراف الشعبي بوجودها وأهميتها ازدادت العدائية لدى هذه التيارات والرغبة أكثر فأكثر في تولي سدة الحكم، وممارسة القمع الاجتماعي والسياسي على الشعب بحجة الدين والسنة النبوية والدعوة الإلهية.
وتضيف قصير "لكن ما لا يمكن أن نغفل عنه أن التيار الإسلامي بإرثه وتكوينه هو تيار راديكالي شمولي وإقصائي لا يؤمن بالديمقراطية كأغلبية الأحزاب السياسية ذات المنحى الراديكالي، وهو ما يتناسب مع بعض المؤسسات الخارجية العالمية الأجنبية والعربية التي شجعت هذه التحركات رغبة منها في اختيار شرق أوسط جديد يتناسب ووضعها الاستراتيجي، فكان لزاماً عليها أن تجد مناصراً لها وداعماً لها ومن أكثر من هذه التيارات الإسلامية التي تستميت من أجل الوصول إلى سدة الحكم وتطبيق شريعتها على أرض الواقع فكان تبادل المصالح بالشعارات الوطنية التي استمالت بها قلوب الشعوب قبل عقولهم، وحاكت مطالبهم واحتياجاتهم، ولا ننسى الهوية التي تتمسك بها هذه الشعوب العربية تمسكاً شديداً، وهذا ما يجعل الشعوب أيضاً تتمسك بالإسلام بوصفه مكوناً للهوية فيما يتمسك بها قادة هذه التيارات كمشروع لتطبيق الشريعة.
وتقول قصير "المستقبل الذي نراه لهذه التيارات قاتم إذ يكفي أن نلقي نظرة على ما يفرضه بعض الإسلاميين بعد توليهم السلطة في تونس على الرغم من وصول رئيس ليبرالي لسدة الحكم، أو ما يعبر عنه بعض قادة التيار الإسلامي في مصر وبشكل خاص السلفيين عن فرض الحجاب على الفتيات المسيحيات وعن عدم السماح ببناء المزيد من الكنائس إلى جانب إنشاء هيئة الأمر بالمعروف، باختصار لا أؤمن بمستقبل قادم بعد صعودهم واعتلائهم لسدة الحكم بل سنعود حتماً إلى عصور ما قبل الجاهلية وإلى التخلف، على الرغم من بعض الشعارات التي يطلقونها من فترة إلى أخرى عن قبولهم بالتعددية الحزبية لكن تمسكهم بضرورة أن يكون للدين وضع مركزي في الحياة يمنعهم من الاستمرار لأن اقترابهم من الطرح العلماني أو الليبرالي يعني بالتالي اختفاء هذه التيارات من الساحة، كما أن هذه التيارات لا تمثل الشباب الذي قام بالثورة ولا تناسب تطلعات الجيل الحالي بالعكس إن وصولهم لسدة الحكم بالنسبة لهؤلاء الشباب يعني أنهم أعادوا إحياء الماضي بوجه جديد، وهنا سنرى مواجهة جديدة وثورة حقيقية ليست ذات أهداف داخلية - خارجية إنما مع مطالب هذا الجيل بالرغبة بالحرية والعدالة الاجتماعية وتحطيم الأشكال السلطوية وتحقيق التقدم، ربما بعد هذا قد نشهد تياراً إسلامياً جديداً معتدلاً قادراً على تحقيق هذه المطالب مع الحفاظ على الدين الإسلامي كهوية وليس كشريعة".
• الإسلام البديل
ويفسر الشاعر الأردني موسى حوامدة هذا الصعود لتيارات الإسلام السياسي من زاوية أخرى حيث يقول "من الطبيعي أن يحصل الإسلاميون في انتخابات ديمقراطية على النسبة الأعلى، لسبب بسيط وهو أن الرأسمالية الغربية التي تآمرت على الاتحاد السوفييتي، طيلة قرن كامل نجحت في دعم أنظمة حكم قمعية واستبدادية في العالم الإسلامي لمحاربة الشيوعية، وكما قال لينين بما معناه: الرأسمالية أقدر على النجاح لأنها تعمل لحسابها بينما الماركسية تعمل لغيرها، على كل نجحت الرأسمالية الغربية وجوهرها الاستعماري الصهيوني، في هزيمة الاشتراكية العربية التي تجسدت في اليمن الجنوبي، والعراق وسوريا والجزائر، وفي ثورة 23 يوليو في مصر، ولا ننسى أن العدوان على مصر لم ينته بالعدوان الثلاثي عام 1956 ولا في حرب 1967 وما بعدها من مؤامرات لم تتوقف بهدف تركيع مصر اقتصاديا، وشل إرادتها وبالتالي إخراجها من كونها مركزا عربيا فاعلا للقومية العربية، ولدول عدم الانحياز، أضف الى ذلك السعي الى تدمير التجربة البعثية في العراق وسوريا، بالرغم من أخطاء الحزب في البلدين، وعدم اتفاقهم حتى على الوحدة بينهما، ورأينا ما وصل اليه الوضع في العراق وسوريا حاليا، من احتلال للعراق، والعمل الحثيث اليوم لإخراج سوريا من حلفها مع حزب الله وإيران، بالرغم من قبضة النظام الأمنية وخياره بمواجهة الناس بالعنف لا بالحوار، ورأينا تجربة استقلال الجزائر وما شابها من فساد وفقر وخراب وعنف".
ويضيف حوامدة "اليوم تم إيصال العرب وحتى المسلمين وخاصة بعد احتلال الاتحاد السوفييتي الغبي لأفغانستان أن الإسلام مستهدف، من قبل الغرب والشرق، لا بل تم إقناع الناس أن الاشتراكية والقومية وحتى الوطنية مثل حزب الوفد في مصر وبعض الأحزاب القطرية والتنويرية فاشلة، ولا تستطيع تسيير أمور الحكم وهي في مجملها (كافرة)، والحل إذن كما يطرح الإخوان المسلمون هو الإسلام. تم تعميق ذلك بضرب العراق، وضرب أفغانستان والدعم الغربي اللامحدود لإسرائيل التي لم تتوقف عن المذابح ومصادرة الأراضي الفلسطينية والاستيطان والمراوغة في اتفاق السلام مع السلطة الوطنية الفلسطينية، مما سبب إضعاف الأخيرة وانقلاب الناس على فصائل منظمة التحرير لصالح حماس والجهاد الإسلامي، وبعد قصة 11 سبتمبر والتي أوهم الغرب نفسه أن القاعدة وراءها صاروا يفتشون عن إسلام بديل، وقد وجدوا ضالتهم في النموذج التركي، وهنا بدأ التفكير في إيجاد إسلام معتدل مثل إسلام الغنوشي أو إخوان الأردن ومصر وتم الاتفاق مع بعض القيادات الإسلامية على قبول وجود إسرائيل وحتى عدم إلغاء كامب ديفيد، وعدم تصعيد مواجهة النظام في الأردن بسب وادي عربة، والتركيز على قضايا الفساد والديمقراطية.
وبسبب (الانتصار) الذي حققه حزب الله عام 2000 وعام 2006 والدعم الإيراني لحماس أيضا، وبسبب فشل منظمة التحرير الفلسطينية، وذهابها في أوسلو كخيار وحيد، صار الناس يجدون أن الإسلام هو الذي يمكن ان العدو والمحتل وخاصة إسرائيل، لا بل ويكون فيه الشفاء والحلول لكل مشاكل الفقر والبطالة، ويتم العودة الى الماضي برواية حكايات عن عدل الفاروق عمر، وعمر بن عبدالعزيز، دون توضيح ان المشكلات الاقتصادية أعمق من حلها بحكاية او قصة ماضوية، لكن الناس تصدق الماضي، لأنه غير مرئي، والخيال يلعب كثيرا في صبغ لون الكمال عليه، أضف إلى ذلك أن غالبية المجتمعات الإسلامية، مجتمعات بسيطة ومتدينة وقد استغلت العديد من الحركات الإسلامية هذا الأمر.
• ربيع عربي أم خريف إسلامي
ويرى حوامدة أنه كان من الطبيعي وفي ظل كل هذه الظروف أن يجد الإسلاميون فرصة أوفر للنجاح في الديمقراطية، وهي النمط الغربي للحكم والذي لا يعترف به الإسلام أساسا، بل يؤمن بالخلافة، مهما كانت الأسباب فان الإسلاميين استغلوا أيضا الثورات العربية وحراك الشارع العربي، ودخلوا على الخط كما فعلوا في النقابات المهنية والعمالية ولعبة الديمقراطية الغربية بتأسيس أحزاب وسطية أو معتدلة او إسلامية تقبل "المشاركة لا المغالبة"، كما قال ذلك كثير من رموز الحركة في مصر. إذن فالربيع العربي هو ربيع أو خريف إسلامي واضح الملامح؛ انظر إلى ما جرى في تونس ومصر وليبيا وما يجري حاليا في سوريا وما جرى في فلسطين حين انقلبت حماس على لعبة الديمقراطية نفسها.
في الأيام القادمة من المتوقع أن يكون للإسلاميين فيها حظ كبير للوصول إلى السلطة، وهنا سيكون الامتحان الأصعب لهم، فمن السهل أن تكسب المعارضة الشارع دائما، لأن إدارة شؤون الحكم، ليست سهلة مثل الجلوس في صفوف النقد والمعارضة، وهنا سيكون أمام القوى المستنيرة وقوى المجتمع المدني أن تعمل وأن تواصل جمع صفوفها، وإذا تقبل الإسلاميون تداول السلطة، وصارت لدينا دساتير حقيقية مقدرة ومعمول بها، فيمكن أن تصبح الديمقراطية متاحة.
غير أن الخوف يأتي من طرفين، الخشية أن تبرز من بين القوى الإسلامية شخصيات ديكتاتورية متسلطة تستطيع قلب الأمور لصالحها للبقاء في الحكم، مثل التجربة الإيرانية، لا ننسى ان هناك قوى خارجية كثيرة، تضمر لنا المكر وقد تدفع باتجاه تناحر الإسلاميين مع قوى تقدمية، أو تعمل لعدم استقرار الأوضاع، وبالتالي استمرار تبعية للغرب لحل المشكلات السياسية والاقتصادية.
قد يسهم الحراك الديمقراطي إذا سار بشكل معقول في تغيير قوى الصراع لكن ذلك قد يأخذ سنوات طويلة، حتى يترسخ حكم الإسلاميين ويثبتوا نظرتهم الحقيقية للحكم وللمجتمع، وقد يظن البعض أن التجربة التركية صالحة للقياس لكن هناك فرق بين وهو أن الأتراك طبقوا العلمانية قبل الديمقراطية، وحزب التنمية يحكم بمعايير علمانية أما نحن فلم تتوفر لنا هذه الفرصة، ولذا من السهل أن يهيمن الإسلاميون على المجتمعات والحكم، والكارثة ستبدأ حين يصبح من العسير عندهم تقبل تداول السلطة.
• إغراق المجتمعات العربية
تعتقد الكاتبة والشاعرة حنان شافعي أن ثمة أسباب محلية وإقليمية ودولية تقف وراء صعود تيار الإسلام السياسي عربيا، وتقول "من الناحية المحلية نجد الفقر والانهزامية والوقوع بين براثن الإعلام غير المسئول خصوصا القنوات الدينية أو التي ترتدي ثوب الإصلاح الديني والاجتماعي والتي بلا شك لعبت دورا خطيرا جدا في إغراق المجتمعات العربية على اختلاف ظروفها في موجة من التغييب والتعصب الأعمى، لاعبة في ذلك على أوتار الكبت والحرمان المعنوي والمادي الذي يعاني منه الإنسان العربي، هذا كله يحدث في ظل أنظمة فاسدة أهملت الإنسان وتكالبت عليه بالفساد والاستبداد السياسي فضلا عن الإهمال المتعمد للتعليم وتسطيح الثقافة وتدجين المثقفين وتقييد الفن الهادف.
وعلى الصعيد الإقليمي يمكننا الوقوف بسهولة على الآثار السلبية للثروة النفطية في تفشي المناخ القبلي ـ المتحفظ ظاهريا ـ والذي ينتصر للمظهر على الجوهر وبصفة خاصة ثقافة شبه الجزيرة /الوهابية/ السعودية المهووسة بالطقوس والصبغة الدينية المتمثلة ف الزي واللحية وتحويل المرأة إلى كتلة من السواد تتحرك على الأرض "هذا في حال سمح لها بالتحرك".
وأما الإطار الدولي والذي لا ينفصل مطلقا على الإطارين المحلي والقبلي فنجد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول وما تبعها من انعدام للثقة بين الجميع دولا ومؤسسات وأفراد ليغدو التدين هو الحل الأكثر أمانا خصوصا للفرد العربي الذي وجد نفسه متهما ومنبوذا بسبب جنسيته ودينه .
وتؤكد الشافعي أنها لا أستطيع التنبؤ بما قد يحدث في المستقبل "لأنه ببساطة لم تعد المعادلات على ثباتها أو إيقاعها الزمني السابق. فالآن نجد التغيير أسرع مما نتوقع بل إننا نفاجأ به وبفاعليه إلا أنني أري ما يحدث فرصة جيدة للتعلم والتجريب واختبار الأفكار على اختلاف عمقها أو تخلفها، وينطبق ذلك- من وجهة نظري- على كلا الطرفين الإسلاميين من ناحية بكل ما يدعونه من نبل وقدرة على إحداث تغيير إلى الأفضل، ومن ناحية أخرى على الشعوب أو المجتمعات التي تركن إلى الراحة والخمول الذهني الذي عودتهم عليه المؤسسات الدينية والسياسية. ولعل السنوات القليلة القادمة تحمل لنا مزيدا من الثورات التحررية "الحقة" وليس مجرد رفض أو رغبة في إسقاط أنظمة عفا عليها الزمن.
أخيرا تقول الشافعي: ورغم اطمئناني لفكرة التجريب والتعلم (حتى لو كنا نتعلم في أنفسنا) فإنني أخشى من التعقيدات التي يخلقها نزول لاعبين آخرين إلى الملعب لأنهم حتما لن يخدموا إلا مصالحهم سواء بعقد الصفقات أو تفتيت الجماهير بين مؤيد ومعارض وجائع وثائر ومغيب وكلها بالتأكيد صفات تخاصم الكرامة الإنسانية ولا تعرف للحرية طريق.
• التاريخ النضالي الطويل
ويطرح د. أحمد عبدالدايم محمد حسين أستاذ مساعد التاريخ الحديث والمعاصر جامعة القاهرة رؤية مختلفة حيث يرى أن هذا الصعود السياسي للإسلاميين يجئ انطلاقا من التاريخ النضالي الطويل لهذه التيارات ضد السلطة، والتضحيات التى قدموها من زهرة شبابهم الذين قتلوا وشردوا وتم نفيهم ومن تضحيات المعتقلين والمساجين السياسيين، والفساد المستشري في المجتمع وحالة السرقة والنهب المنظم جعلت الناس لا يثقون فى غير الإسلاميين، وأيضا قرب الإسلاميين من الشارع وتلاحمهم مع قضاياه اليومية والحياتية، والخطاب الإعلامي المتزن والواضح الذي قدمه الإسلاميون عبر الدعاية لبرامجهم، وأخيرا الوجود القوى والفاعل في الشارع، فأعداد الإسلاميين ازدادت وانتشرت بشكل غير مسبوق.
أما مستقبل العالم العربي في ظل هذا الصعود للإسلاميين، فيعتقد د. أحمد عبدالدايم أن عوامل النجاح السابقة يمكنها تكرارها بصورة شبه كربونية في مختلف الدول العربية، لكن ما يطرحه البعض بأن صعودهم سيتسبب في إعطاء الفرصة للغرب لضرب العالم العربي والتضييق عليه، فأنا لست معه بالمرة، فالاستسلام لهذا القول يعنى أننا لا بد أن نأتي بأناس يخدمون مصلحة الغرب قبل أن يخدموا مصالح شعوبهم وهذا يقدح في الاستقلال والسيادة الوطنية.
ويختتم بأن الإسلاميين لديهم برامج تنمية وتطوير وعدالة اجتماعية جيدة للغاية، ومن ثم فإن انطلاقهم في تنفيذ تلك البرامج سيجعل الناس تلتف حولهم أكثر.
• حسن النوايا و حقيقة الضمير
ويرى الأديب حسونة فتحي أن التوقعات في مصر كانت لا تزيد نسبة مشاركة الجماعة الدينية في البرلمان عن الثلاثين في المائة، رغم القناعة بأن إجمالي التابعين لتلك التيارات لا يتجاوز في حده الأقصى العشرة في المائة من المجتمع المصري، ويضيف "خابت التوقعات، فحساباتنا لم تشمل المتعاطفين والمستفيدين بالطريق غير المباشر والخائفين من نتاج ميادين التحرير والتحرر، وكذلك تفتت الليبراليين واليساريين والعلمانيين وعدم نجاحهم في خلق تفاعل مجتمعي مجدٍ على أرض الواقع".
ويلفت حسونة "رغم أنه يمكننا اعتبار مصر نموذجاً لما تم في أجزاء من الوطن العربي وفقاً لنتائج الواقع إلا أن الاختلاف يعد جوهرياً، فالتعويل على حضارة ممتدة امتداد التاريخ وشخصية مصرية شديدة التميز ومجتمع عظيم الترابط يؤكد أن الرفض والإقصاء هو مصير كل ما وكل مَن مِن شأنه إحداث تشويه لهذه الشخصية، وذلك الترابط وتلك الحضارة، فالنسبة الكبيرة من المتعاطفين والمتخوفين من تجربة الحرية هم أول من سيقف بالمرصاد، بل يمكنني، وبمسئولية شخصية، القول إنه بمجرد وقف تدفقات الدعم المالي لتلك الجماعات من دول الجزيرة العربية سيتناقص عدد التابعين لتلك التيارات إلى أدنى نسبة متخيلة".
ويشير إلى أن ما شاب الانتخابات من شوائب تزوير مباشر ليس له كبير الأثر على بلوغ الأحزاب الدينية نسبة الأغلبية، لكن التزوير غير المباشر كان له شأن آخر، فعلى سبيل المثال البلاغ الذي قدمه المحامي "أمير سالم" باحتواء كشوف الناخبين على ما يقرب من تسعة ملايين صوت مزيف لتكرار بطاقات الرقم القومي لشخص واحد وبمحال إقامة مختلفة "ما أثبتته مشاهداتنا الشخصية في مدينة العريش من وجوه ولحى لم نرها من قبل"، وهذا الرقم يمثل 28% من عدد من أدلوا بأصواتهم خلال المراحل الثلاث "32 ألف ناخب" هنا يمكننا القول إن الصعود ليس حقيقياً، وأن الحديث عن صفقة بين المجلس العسكري الحاكم والجماعات الدينية ليس ضرباً من خيال أو رجماً بالغيب، إنه واقع ستبدد نتائجه الحقائق التي لا أظنها ستتأخر كثيراً في الظهور جلية للجميع.
ويقول: "ما يدركه القاصي والداني أن تحقيق الدولة المدنية، بما تضمنه من حريات وعدالة اجتماعية واقتصاد قوي يحد من تسول المصريين للقمة العيش خارج وطنهم، سيكون له كبير الأثر في الإسراع بالإطاحة بأنظمة عربية قابعة على صدور مواطنيها وأولها نظام آل سعود ثم كل (آل) حكم بلاداً في غفلة من زمن، لذا لن تتحقق تلك الدولة بسهولة وبساطة، وستظل مضخة المليارات مفتوحة تحيل دون بلوغ ذلك الهدف، لست متشائماً بقدر ما أقرأ واقعاً يحتاج منا جهداً وتكاتفاً وعملاً ودأبا لتغييره، وإذا استحضرنا أثر المد الشيعي أيضاً بتياراته المختلفة يمكننا إدراك مدى الجهد المطلوب حفاظاً على هوية باتت مهددة من جميع الجهات ومن الداخل قبل الخارج بشقه وغربه".
|